المنهجية في طلب العلم

فضل العلم ومُعَوِّقات تحصيله - ج1

  • الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
  • 23/11/2023
  • 3,835
فضل العلم ومُعَوِّقات تحصيله - ج1

   لا شك أن كل طالب علم أَنِسَ لهذا السبيل وسلك هذا الطريق فهو يرى أن العلم هو أهم المهمات؛ لأن العلم هو العلم بالله -جل وعلا-، والعلم بالله -جل وعلا- هو أعظم ما يستفيده المرء في هذه الحياة، فبقدر علمه بربه -جل جلاله- ومعرفته بخالقه وإلهه ومعبوده يكون قربه من مولاه؛ لأنّ أقرب الناس إلى الله -جل وعلا- هم أعلم الناس به -سبحانه وتعالى-، لهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنّي لأعلمكم بالله وأخشاكم لله وأتقاكم لله، فمن رغب عن سنتي فليس مني» أو كما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام-.

  والأنبياء ارتفعت منازلهم لأجل علمهم بربهم -جلَّ وعلا- وبشريعته، وما يُحب -جلَّ جلاله-، وهذا العلم يدرك كل طالب علم أنه أهم المهمات وأعظم المطالب، فالواجب على كل طالب علم أن يَجعل أكثر حياته فيه وأن يُقَسِّم حياته ما بين تعلُّم أو تعليم أو أداء للنصح لعباد الله أو لمن له ولاية عليه كل بحسب ما هو فيه.

  وهذا معنى البركة التي تكون في أهل العلم، فإن أهل العلم مباركون جعل الله -جلَّ وعلا- في أقوالهم وأعمالهم البركة كما قال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:31]، وقوله: «جَعَلَنِي مُبَارَكًا» يعني أن عيسى -عليه السلام- جعله الله مباركاً بتعليم العلم أينما كان، أينما كان يعلم ويرشد ويدعو إلى ما يحب -جل وعلا- ويرضى.

وبقدر الازدياد من هذه الصفة يزداد المرء قرباً من الله -جل وعلا- ويزداد بركة في أقواله وأعماله.

لذلك جعل الله على الأنبياء البركـة ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ [الصافات:113]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».

وآل محمد -على أحد الأقوال- هم: المتَّبعون له من أهل التقوى، ويدخل فيه كل مؤمن متبع لسنّة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا المطلب مدرك يدركه كلّ طلاب العلم الذين أنسوا بالعلم وشرح الله -تبارك وتعالى- صدورهم له.

وجوب طلب العلم:

ومعلوم أن العبادات والنوافل مراتب، والعلم منه ما هو فرض ومنه ما هو نفل، والعلم الذي هو فرض قد يكون فرض عين وقد يكون فرضاً على الكفاية، وإذا نظرنا اليوم فإننا نجد الناس لم يقم فيهم وإذا نظرنا إلى عموم الناس، لم يقم فيهم بالعلم من يكفي وخاصة العلم السلفي الصحيح الذي يعتمد فيه صاحبه على كتاب الله وسنّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلى نهج السلف الصالح، فإن الذين يتبعون هذا السبيل اليوم أقل القليل، وهذا يؤكد على كل طالب علم في هذا السبيل أن يَحرص على نفسه وألا يضيعها وأن يزداد من العلم بحسبه، وأن يكون متقلباً ما بين التعلم أو التعليم، وما بين التأثير بالعلم أو التأثير بالدعوة في أي مكان كان بحسب قدرته وبحسب ما أعطى.

أزمات ومحن:

إن الأمم -بل أمة الإسلام- في تاريخها مرت بها فتن كثيرة، ومرت بها محن، ومرت بها بلايا وابتلاءات عظيمة، فمرة يكون بأسها بينها شديداً ومرة يسلط الله عليها عدواً من غيرها فينال منها ما يناله بحسب قدر الله -جل وعلا- وقد حصل ذلك في تاريخ الإسلام الكثير.

كما تعلمون، وإذا نظرت إلى القرن الأول وجدت فيه أشياء كثيرة، ما حصل من القتال والفتن التي كانت بين الصحابة، ثم كان في عهد الأمويين من فتن كثيرة، ثم في عهد العباسيين حتى أتت الفتنة الكبيرة بتسلط الدولة العبيديّة -المسماة بالفاطمية- على كثير من بلاد الإسلام، وساؤوا أهل السنّة سوء العذاب حتى إنهم ربما أتوا العالم فأرادوه عل قولِ شيءٍ يحتاجونه، فإذا أبى مشطوه بالحديد مشطاً، وقال الذهبي في موضع: «وقد نزع عن فلان جلده حتى يكون نكالاً لغيره مما فعله أولئك، وكان واقعة الحروب الصليبيّة المعروفة فوقعت وجاءت حروب التتار الكثيرة، وحصل ما حصل في تاريخ الإسلام، وهذا كله إذا نظرت إليه نظرة التاريخ وجدت أن أهل العلم في تلك الحقب وتلك الأزمات لم يتخلوا فيها عن العلم والتعليم ولم ينصرفوا عن العلم والتعليم إلى أمور أخرى، لأن العلم وطالب العلم يؤثر بحسب ما يستطيع لكن النفع الباقي له ولغيره هو العلم لأنه ينفع الله به أمماً كثيرة».

عوائق مخدرات:

كثيرون ساءت ظنونهم بالعلم لأجل ما يبتلي الله به العباد من أمور كثيرة في أرض الله -جل جلاله-، ولهذا ينبغي التنبيه على جملة من العوائق التي تَعَوّقُ عن طلب العلم، أو سَمِّها المخدّرات التي تجعل كثيرين يُسيئون طناً بالعلم، أو سمِّها الحُجُب التي تحجب عن رؤية طريق العلم الصحيح.

ضعف الهمة:

أولها: ضعف الهمة، وهذه دائمة فإن العلم يحتاج إلى همة قوية وأهل العلم هم أكثر الناس همّة فيما يحب الله -جل وعلا- ويرضى، وبرؤية المصالح والمفاسد المتعلقة بالشخص نفسه والمتعلقة بغيره أيضاً، لهذا نجد أن أكثر الناس همة هم الأنبياء -عليهم صلوات الله وسلامه-.

وإذا نظرنا في سيرة الأنبياء في القرآن وجدنا همَّتهم العظيمة تبليغ رسالات الله وأداء الواجب الذي أوجبه الله -عزّ وجل- عليهم من بيان حقه -جل وعلا- في عبادته وحده لا شريك له وبيان حقه -سبحانه- في أسمائه وصفاته في الرد على أهل الباطل وعلى مقالاتِهم ومجادلتِهم وفي بيان شريعة الله والتودُّد إلى الخلق في بيان هذه الشريعة؛ لعل النور يدخل إلى النفوس.

وهذا ظاهر في سيرة جميع الأنبياء، هذا نوح -عليه السلام-، أي همة كان عليها وهو يعظ قومه ليلاً ونهاراً وصباحاً ومساءً وهو يسر لهم ويعلن لهم تارة أخرى ويدعوهم مدة… كم؟ مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ [العنكبوت:14-15].

وأيُّ همّة كان عليها إبراهيم-عليه السلام- وهو ينظر إلى قومه وهم يعبدون الأصنام التي ينحتونها بأيديهم ثمّ هو في ذلك صابر، وحاجَّهم بالعقل وحاجّهم بالدفع ودعا الأبعدين ودعا والده والأقربين، وكان في ذلك متنقلاً مرة في مصر، ومرة في مكة، ومرة هنا، ومرة هنا وهناك، وذلك كله لنشر رسالة الله -جل وعلا-.

هذه همة -ولا شك- ولا تستغرب لأن لأهل العزم هممهم عالية، وإذا نظرت إلى سيرة بقية الأنبياء ستجد ذلك ظاهراً، ومن قرأ بعض الكتب التي ألفت في علو الهمة فإنه سيجد من ذلك الشيء الكثير، فطالب العلم لا يصلح أن يكون ضعيف الهمة خائر العزم متواكلاً، بل يجل عليه إذا أراد سلوك هذا السبيل أن يكون قوي الهمة لا يقنع بالدون.

على قدر أهل العزم تأتي العزائــم     وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتـعظم في عيـن الصغير صغارها   وتصغر في عين العظيم العظائم

وقد يأتي أحد وينظر إلى كتاب فيقول: كيف أقرأ هذا الكتاب الكبير؟! لأجل ضعف الهمة ولكن مع علو الهمة يفتح الله -جل وعلا- له.

قد طلبت مرة من الأستاذ محمود محمد شاكر -رحمه الله- الأديب المعروف ومحقق أجزاء كثيرة من «تفسير الطبري» طلبت منه أن يرشدني إلى كتاب في اللغة العربيّة لأقرأه فقال لي: إقرأ «لسان العرب» فقلت له: «لسان العرب» عشرون مجلداً فكيف أقرأه؟! فقال: إذن اذهب إلى صفة أخرى للتجارة أو للوظيفة… أيش عشرون مجلداً؟! قرأناها على شيخنا (لعله يقصد شيخه المرصفي) مرتين وفي الثالثة ما أكملناه.

وهكذا صنيع العلماء، الحافظ ابن حجر قرأ «البخاري» على شيخه في عشرة أيام، كل «البخاري»! وقرأ «صحيح مسلم» في ثلاثة أيام وقرأ «سنن ابن ماجه» في يوم.

وهكذا صنيع أهل العلم في كثير من الأنحاء، شيخ الإسلام ابن تيمية ألّف عدداً من كتبه ورسائله التي تدرس وتشرح في جَلسة كما فعل في «الواسطية» وفي «الحموية» وفي «التدمرية» وفي أشباه ذلك.

سبب ذلك قوة العلم ثم عُلُوّ الهمة، فأول محذور وعائق وحجاب هو ضعف الهمة، فإذا تحرَّكَت الهمم جاء الله -جل وعلا- بالفُتوح من عنده -سبحانه- وهذا نوع من المجاهدة، لقولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، وقد ذكر ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه «صيد الخاطر» إنه إذا جاء جماعةٌ من البطّالين -يقصد بهم الذين يريدون الجلوس للكلام والقيل والقال والأخبار ونحو ذلك- قال: إذا جاءوا اشتغلتُ أثناء مجيئهم في بري الأقلام وقص الأوراق وتجهيزها للكتابة، وهذا لا شك أنه لا يكون إلا مع عُلُوّ همة في هذا السبيل، فالذي يريد أن يكون العلم في وقت دون وقت وفي حال دون حال، هذا مع الزمن لا يحصل لأنه مع الزمن تكثر الأمور.

السيادة:

هذا هو العائق الثاني من العوائق والحجاب الثاني، وهو: أن يكون المرء أو طالب العلم مُسَوّداً قال عمر -رضي الله عنه- فيما علّقه البخاري في «صحيحه»«تفقهوا قبل أن تسودوا»، ويبدأ التسويد -يعني: أن يكون المرء سيّداً- يبدأ بتزوجه فإذا تزوج بدأ ذلك، لهذا قال البخاري -رحمه الله- فيها: وبعد أن تسودوا، يعني: أن يطلب العلم وأن يتفقه قبل أن يكون ذا سيادة وأمر ونهي وولاية، والناس يتنوعون في ذلك، قد تكون الولاية بالزواج والأولاد، وقد تكون الولاية بأن يكون مدرّساً معلّماً فيكون عنده الشيء الكثير مما يبذله في تدريسه وتعليمه وفي الأنشطة التي تكون في المدارس ونحو ذلك، وقد يكون في القضاء، وقد يكون في وظيفة، وقد يكون مديراً للعمل فما يحتاجه في دنياه، وقد يكون أكبر من ذلك، فالسّيادة لا شك أنها حجاب عن العلم أو عن الاستمرار في العلم.

ولهذا قال أبو عبد الله البخاري -منبّهاً طلاب العلم لذلك- قال: وبعد أن تسوّدوا؛ ليحرّك فيهم العزم على ألا ينقطع عن العلم شيء من ذلك.

وقد كان بعض أهل العلم ينظر في مسائلَ مدداً طويلة وفي نفسه يريد لها حلاً كما قال عمر -رضي الله عنه-: «قد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووددنا أنا سألناه عن أبواب من الربا» والصحابة -رضوان الله عليهم- تمنّوا لو سألوا عن كذا وكذا من أبواب العلم، سألوا عمر أو سألوا عليّاً في قصص معروفة.

وكذلك ما يَحصل من أن طالب العلم قد يكون عنده ما يَشْغله ولا يُفرّط في سؤال أهل العلم عما يشكل وفي مطالعة العلم قبل أن يذهب أهله لأنّه لا يدري متى النّاس يحتاجون إليه! وابن عباس -رضي الله عنهما- كان صغيراً وكان يسأل الصحابة ويتلقّف العلم من هناك وهنا، حتى رجع الناس إليه، قال له صاحبٌ له من الأنصار أتظن يا عبد الله أن الناس يَحتاجون إليك وهؤلاء صحابة رسول الله بينهم؟! فاستمر ابن عبّاس، وحصّل ونظر حتى بعد أن تولّى الولايات، فقد ولّاه عليّ -رضي الله عنه- إمارة الكوفة ومكث فيها زماناً، ثم رجع إلى مكة وتولى -أيضاً- ولاية أخرى، وكذلك غيره ولكن مسيرة العلم واحدة، وفي عمر الإنسان قد يُعَوّقه هذا العائق من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر، فإذا كان طالب العلم صاحبَ عزيمة فإنه يجعل الأصل عنده استمرارَه في العلم بأي نوع يختاره، لكن لا ينقطع عن العلم عن غيره مما يكلف أو يكون مما يعينه على أمر دينه أو دنياه من أنواع الأعمال لا تصده عن ذلك، كذلك أهله وأسرته ونحو ذلك يأخذ من كل شيء بقدر ويعطي كل ذي حق حقه.

الانصراف عن الدعوة:

مِن الحُجُب -أيضاً- قرار بعضهم أن طلب العلم يصرف عن الدعوة والناس يَحتاجون إلى الدعوة، وأما العلم فلا يحتاجون إليه، هذا مخدّر كبير أدرك كثيرين فأصابهم، وهو أنهم يقولون: الدعوة أهم وأن تصاحب الشباب وتذهب معهم وتخالطهم لدعوتهم أولى من طلب العلم لأن العلم ليس مؤثراً، أو: متى ستؤثر بالعلم؟ بعد سنين طويلة جداً! وهذا مخدّر وحجاب كبير وناشئ عن الغلط في فهم العلم والعمل.

وللردّ على هذه الشبهة أقول: الأصل أن العلم متجزئ وأن الدّعوة -أيضاً- متبعضة ومتجزئة، العلم لا يأتي جميعاً، والدّعوة -أيضاً- لا تأتي جميعاً، فطالب العلم إذا علِم علَّم ودعا بحسب ما يفتح له من هذا الباب فيجعل ميدانه في العلم وفي التأثير بحسب ما يُعطي.

والانشغال عن العلم بالدعوة يورث أن تكون الدعوة على جهل؛ وهذا الذي أصاب الكثير من الناس فالنّاس في هذا أصبحوا ثلاث طوائف: إما أن ينقطع للعلم ولا يؤثر شيئاً، وإما أن يتّجه للدّعوة وهو جاهلٌ أو شبهُ جاهلٍ؛ وهذا مذموم؛ لأن العلم الذي لا ينفع صاحبه ولا ينفع به غيره هذا غير نافع للناس.

فطالب العلم إذا علّم أقلها أن يعلمّ فيحفظ هذا العلم في الأمة فإذا صار معك العلم، فإن الدّعوة تكون بحسب ما أُوتي العبد من العلم، فالدّعوة متبعّضة والعلم هو أساس الدّعوة، لا يمكن أن يدعو العبد بدون علم يدعو إلى ما عَلِم أما ما لا يعلمه فإنه حينئذ يكون ممن قفا ما ليس به علم، وقد قال -جل جلاله-: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ [يوسف:108]، والبصيرة هي العلم، أدعو إلى الله على علم، فالعلم يتجزأ، إذن فالدّعوة تتجزأ إذا علم شيئاً بدليله ووضح عنده فإنّه يدعو إلى ذلك بعلمه بحسب ما ينفع.

وبعض الناس يظنّ أنّ الدّعوة لا تكون إلا بالمواعظ أو لا تكون إلا بالمحاضرات أو بالذهاب إلى القرى أو إلى إلقاء الكلمات ونحو ذلك في الأمور العامة التي يتكلم الناس فيها! هذا غير صحيح لأن الأنبياء هم أكمل الدعاة وكلام الأنبياء إنما كان في حق الله -جل وعلا- وتوحيده وعبادته، فإذا علّم طالب العلم فقد دعا لأنّه بتعليمه يدعو إلى الله -جل وعلا- فيدعو نفسه ويدعو غيره -أيضاً- ولكنّ النّاس مقامات وكلٌّ يُفتح له بحسبه، وقد سئل مالك -رحمه الله- عن انقطاعه للعلم وتركه أبواباً أخرى من أبواب الجهاد؟ فقال: إنَّ من النّاس من فتح له باب الصلاة ومنهم من فتح له باب العلم، وأنا فتح لي باب العلم ورضيت بما فتح الله لي.

هذا بقي أثره، أي: أثر الإمام مالك إلى اليوم، وذلك لشدة حاجة النّاس إلى بقاء العلم النّافع، فإذن لا يَسُوغُ الالتفات إلى هذا الخاطر أو الحجاب الذي هو من كيد الشيطان في أنّه لا يشتغل بالعلم لأنّ الدّعوة أهم، وقد قالها مِن قبلنا أناسٌ قبل خمس عشرة -أو عشرين- سنة، ولما تقدمت بهم السن صاروا ضُعَفاء في العلم فلا أحسنوا العلم ولا أحسنوا الدّعوة بعد ذلك.

العلم سلاح في يدك تحاج به، تجاهد به، تبلّغه وتدعو به بحسب ما قسم الله -جل وعلا- للعبد.

وللبحث بقية ...

مجلّة الأصالة (29/44-36)

برنامج التأصيل التمهيديّ: 

برنامج علميٌ شرعيٌ مجانيّ يُعنى ببيانِ منهجيّةِ طلبِ العلمِ في كلِّ فنِّ مِنَ الفنونِ المتَّصلةِ بعلومِ الشَّريعة، يلقيها جمهرةٌ من أهل العلمِ وطلبتِه.

للتسجيل به من هنا

شارك المقال